الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
146
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واليهود أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف اللّه تعالى بصفات الذمّ . فقولهم هذا : إمّا أن يكون جرى مجرى التهكّم بالمسلمين إلزاما لهذا القول الفاسد لهم ، كما روي أنّهم قالوا ذلك لمّا كان المسلمون في أوّل زمن الهجرة في شدّة ، وفرض الرسول عليهم الصدقات ، وربّما استعان باليهود في الديات . وكما روي أنّهم قالوه لمّا نزل قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً * [ البقرة : 245 ] فقالوا : إنّ ربّ محمّد فقير وبخيل . وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [ البقرة : 181 ] . ويؤيّد هذا قوله عقبه وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً . وإمّا أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس ؛ فقد روي في سبب نزولها أنّ اليهود نزلت بهم شدّة وأصابتهم مجاعة وجهد ، فقال فنحاص بن عازورا هذه المقالة ، فإمّا تلقّفوها منه على عادة جهل العامّة ، وإمّا نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنّهم يقلّدونه ويقتدون به . وقد ذمّهم اللّه تعالى على كلا التقديرين ، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضا ، إذ يجب تنزيه اللّه تعالى عن هذه المقالات ، ولو كانت على نيّة إلزام الخصم ، والثّاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفّف من تصرّف اللّه ، فقابل اللّه قولهم بالدّعاء عليهم . وذلك ذمّ على طريقة العرب . وجملة غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ معترضة بين جملة وَقالَتِ الْيَهُودُ وبين جملة بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ . وهي إنشاء سبّ لهم . وأخذ لهم من الغلّ المجازي مقابله الغلّ الحقيقي في الدعاء على طريقة العرب في انتزاع الدعاء من لفظ سببه أو نحوه ، كقول النّبيء صلى اللّه عليه وسلم : « عصيّة عصت اللّه ورسوله ، وأسلم سلّمها اللّه ، وغفار غفر اللّه لها » . وجملة وَلُعِنُوا بِما قالُوا يجوز أن تكون إنشاء دعاء عليهم ، ويجوز أن تكون إخبارا بأنّ اللّه لعنهم لأجل قولهم هذا ، نظير ما في قوله تعالى : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ في سورة النّساء [ 117 ، 118 ] . وقوله : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ نقض لكلامهم وإثبات سعة فضله تعالى . وبسط اليدين تمثيل للعطاء ، وهو يتضمّن تشبيه الإنعام بأشياء تعطى باليدين . وذكر اليد هنا بطريقة التثنية لزيادة المبالغة في الجود ، وإلّا فاليد في حال الاستعارة للجود أو للبخل لا يقصد منها مفرد ولا عدد ، فالتثنية مستعملة في مطلق التّكرير ، كقوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [ الملك : 4 ] ، وقولهم : « لبّيك وسعديك » . وقال الشّاعر